أحمد بن علي القلقشندي

375

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

نحمده على نعمه التي منها البلاغة ، وأتقان ما لصناعة الإنشاء من حسن الصّياغة ، وصيد أوابد المعاني التي من أعمل فكره في اقتناصها أو روّى [ أمن ] ( 1 ) رواغه ، ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة فطر الضمير على إخلاصها ، وجبل الفكر على افتناء أدلَّتها القاطعة واقتناصها ، وجعلت وقاية لقائلها يوم يضيق على الخلائق فسيح عراصها ، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أفصح من نطق بهذا اللسان ، وجاء من هذه اللغة العربيّة بالنّكت الحسان ، وحثّ على الخير وحضّ على الإحسان ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين رووا أقواله ، وبلَّغوا لمن لم يره سننه وأفعاله ، وعلموا أنّ هذه الشّرعة المطهّرة أذخرها اللَّه تعالى له فلم تكن تصلح إلا له ، صلاة هامية الغفران ، نامية الرّضوان ، ما أجاب مجيب لمن استدعى ، وعملت إنّ في المبتدأ نصبا ولم تغيّر على الخبر رفعا ، وسلَّم تسليما كثيرا إلى يوم الدّين . وبعد ، فإن [ علم ] ( 2 ) الرّواية من محاسن الإسلام ، وخصائص الفضلاء الذين تخفق لهم ذوائب الطروس وتنتصب رماح الأقلام ، ولم تزل رغبة السّلف تتوفّر عليه ، وتشير أنامل إرشادهم للأنام بالحثّ إليه . قيل للإمام أحمد بن حنبل - رضي اللَّه عنه - ما يشتهي ؟ فقال : سند عال ، وبيت خال . وما برح الأئمّة الكبار يرتحلون إلى أقاصي الأقاليم في طلبه ، ويتحملون المشاقّ والمتاعب فيه ويتجمّلون بسببه ؛ فقد ارتحل الإمام الشافعيّ رضي اللَّه عنه وغيره إلى عبد الرّزّاق باليمن ، وكان فيمن أخذ عنه ممن هو أحقّ بالتفضيل عليه قمن ؛ ولكنه فنّ يحتاج إلى ذوق يعاضد من لا يعانده ، وأمر لا يصبر عنه من ألفه وما يعلم الشّوق إلا من يكابده ؛ فما عند من طلب الرواية أجلّ من أبناء جنسه ، ولا عند المفيد المفيد أحلى من قوله : حدّثنا فلان أو انشدنا فلان لنفسه ، ولكن :

--> ( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية ، وهي لازمة لانتظام السياق . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية ، وهي لازمة لانتظام السياق .